عمر و التشيع . . . ح 4

المقاله تحت باب  قضايا
في 
25/09/2007 06:00 AM
GMT



ســياســته العـلـــويــة

التأسيس المشترك والإدارة الجماعية .

وأهل البيت على الراس

علي المؤسس لا المستشار:

بنوايا بيضاء ورغبة مخلصة لتوشيج النسيج الإسلامي يكتب محمد الحاجي مؤلفه علي بن أبي طالب مستشار أمين للخلفاء الراشدين. وبذات النية والهدف والاتجاه يكتب الدكتور الفقيه محمد سعيد رمضان البوطي عن التعاون المتميز الصافي بين عمر وعلي، فيقول: " إن الإمام علي هو المستشار الأول لعمر في سائر القضايا والمشكلات وما اقترح علي على عمر رأياً إلا واتجه عمر إلى تنفيذه عن قناعة ".

ويستعرض الدكتور علي محمد الصلابي في مفصله عن عمر بن الخطاب جوانب من هذه الاستشارات الكبيرة منها والصغيرة.

وفي تذوق لغوي وذائقة تاريخية وسياسية لا أجد في مصطلح المستشار إلا ماتعافه نفسي، أما أن يكون أولاً فليس ذاك عندي سوى أن جعلنا من الإمام علي واحداً من عشرات المستشارين. وهو ما تستنكره سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري ومروج المسعودي. فالمريد الراضع حليب القرآن في يوم مولده والمولود في رحاب الكعبة والفتى والسيف والجذر والصهر والإمامة وبيت النبوة في بيته ليس موظفاً تحت الطلب يحتاج إليه في يوم وينسى شهراً أو شهوراً.

لم يكن مركز إدارة الصراع العالمي الذي تأسس في المسجد النبوي، والمدينة عاصمة العالم الجديد، دائرة حكومية فيها رئيس ووزراء تنفيذيون وجملة مستشارين ممن لم يلصق بهم اللقب إلا لعجز في القدرة على القيادة أو لبطالة.

لا نشك أن مصطلح المستشار المستخدم في الكتابات المتأخرة عند التوفيقيين أو في المدرسة السلفية إنما يراد به الردّ على فريق من المسلمين القائلين باعتكاف الإمام علي في حجرة واصّرارهم على أخذ الإمام علي إليها ليعلن القطيعة الكاملة ليس فقط بين علي وعمر وعلي ودار الخلافة، بل بين علي ومركز إدارة الصراع الجديد وإخراجه من دائرة الصراع، فيقول العلامة السيد كاظم القزويني في كتابه (الإمام علي من المهد إلى اللحد) إن الإمام علي كان جليس البيت منذ وفاة النبي إلى ظهور اسمه في هيئة الشورى، الذي أوصى به عمر قبيل وفاته عام 23 للهجرة.

وليس هذا من المقطوع به عند جميع فقهاء التشيع، فالعلامة المؤرخ هاشم معروف الحسني في كتابه (سيرة الأئمة الاثني عشر) يقول غير هذا ويرى أن أية معارضة لم تصدر من الإمام علي على خلافة عمر لا في القول ولا في الفعل، وهو ذاته ماقال به المرجع الشيعي الكبير الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء في كتابه (أصل الشيعة وأصولها).

ومرجع ماذهب إليه القائلون بمصطلح المستشار أن آلية إصدار القرار في ولاية عمر تعتمد على مبدأ الشورى الذي توسع به الخليفة الثاني بالمقارنة مع ولاية أبي بكر وولاية عثمان بن عفان. فلم يوسع أبو بكر فيها حرصاً على أن لايخرج عما سار عليه النبي (ص) قبله.

ولكون عثمان قد أحيط بمستشارين من المسلمين الجدد القادمين من الفرع الأموي فلم يعد قدماء الصحابة يجدون في مجلسه ماكان متوفراً ومتاحاً لهم في شورى عمر. وقد يكون مصطلح المستشار اشتقاقاً لغوياً غير سليم عن مصدر الشورى إذ لا يُدعى عضو الشورى مستشاراً ولم تستخدم حتى الآن صيغة اسم الفاعل لهذا المصدر.

وفي الشورى مشاورة ومناقشة في مجلس يتساوى فيه الأعضاء في المكانة النوعية كمنتخبين والكمية كأعداد في التصويت، وإن كانت آلية عمر في الشورى تميل إلى الترجيح وليس إلى التصويت.

وبسبب ثقل الإمام علي واتساع خبرته وعمق صلته بالإسلام وتفرغه الأكاديمي لدراسة القرآن والحديث الشريف في فترة اعتكافه بعد مبايعة أبي بكر، والتي استمرت ستة أشهر فقط، فيما أحالها فريق من المسلمين إلى قطيعة مازالت قائمة حتى يومنا هذا، كان رأي الإمام مرجّحاً والمقترح الذي يشير به إلى عمر كما يقول البوطي مقبولاً عند عمر عن قناعة.

كان الشريف الرضي فقيهاً وشاعراً معاصراً لأبي العلاء المعري ومن أحفاد الإمام موسى الكاظم يجيز العمل مع السلطان، ولا يرى في الدولة العباسية دولة غصبية أو مغتصبة، خلافاً للسائد الشيعي.

ويشترك معه شقيقه الشريف المرتضى في هذا الرأي، وكانت لهما صلة طيبة مع دار الخلافة أعادت إلى الأذهان الأيام العمرية – العلوية.

لكن الشريف الرضي لم يستسغ في أعماقه أن يكون أقل من الخليفة شأناً ومكانة مع أنه لم يكن الإمام ولا الفقيه الأول فخاطب الخليفة ذات يوم بقصيدة تبدو لي الآن وكأنها تنقّط على معجمات الحروف في مصطلح الاستشارة والمستشار.

عطفاً أمير المؤمنين فإننا في دوحة العلياء لا نتفّرق

وكلاهما الرضي والخليفة في المعالي معرّق. لكن الرضي حرّ مطلق من مسؤولية الخلافة والخليفة مطوقاً.

ولا يكون المقبول في علاقة الإمام الأول علي بن أبي طالب بعمر بن الخطاب بأقل من مقبول علاقة الشريف بالخليفة.

في يوم السقيفة:

عمر منع الفراغ وعلي منع الانشقاق

هل أوصى النبي (ص) للإمام علي من بعده في غدير خم، وهو حديث توثقه المراجع الإسلامية الأولى عند الفريقين، ويختلفون فيه على حدود الولاية وكيفية التعامل مع خبر الولاية في كتاب عن عمر والتشيع وما بين الاثنين خلاف على النص هو الأصل في ظهور التشيع عند بعض المؤرخين؟.

وما الموقف في قول عمر في النبي (ص) حينما حضرته الوفاة وطلب أن تدون له وصية (انه ليهجر)؟.

وما الموقف من السقيفة؟.

أما إيراد الروايات فلا يزيد الحديث معلومة جديدة على المتداول في أروقة السجال منذ وفاة النبي (ص) حتى اليوم.

وإذا كان مؤرخو الإسلام وفقهاء وأئمة المذاهب لم يتوصلوا إلى اتفاق مشترك فهل سينتهي السجال بما يقوله كاتب لم يخرج من ضلع الحوزة ولا دخل الدرس في مشيخة الإسلام ولا وضع نفسه في مشتجر الخلاف؟.

السبيل الأسلم أن نتعامل مع تلك التساؤلات والأحداث والسجالات بطريقة الإمام علي، الذي تتحدث الروايات عن اعتراضه واحتجاجه وعدم ذهابه إلى بيعة أبي بكر فدخل في القطيعة فعلاً ستة شهور قرر في نهاية الأمر أن لا يكون أوائل بناة مشروع الدولة الإسلامية سبباً في تقويضها وهي مهددة بارتداد قبائل العرب، حتى لم يبق مع مركز الخلافة سوى الأوس والخزرج وقريش وثقيف، فأنهى الإمام شهور القطيعة وقرر البدء بمرحلة المشاركة في العملية السياسية قائداً بارزاً واسماً لامعاً في تاريخ التأسيس الإسلامي الأول.

وفي فترة احتجابه سيطر الإمام علي على مستوى لدرجة الاحتجاج لا يتحول فيه الخلاف إلى معارضة والمعارضة إلى حركة مسلّحة خلافاً للمألوف العربي الطويل وتقاليد المعارضة والاحتجاج، التي كانت لا تضع حواجز بين الرأي والخلاف والخلاف والتعبير المسلح عنه، فلم يكن ثمة برلمان تتحادث داخله المعارضة، ولا صالة يجتمع إليها السلطة والمعارضة، والقاعدة العربية المعمول بها في تاريخ العرب والمسلمين أن الاعتراض السياسي ينتهي في أقصر زمن بالاحتكام إلى السيف. وقومي تميم والفلاة ورائيا.

خرج الإمام علي على تقليد سائد في اللجوء إلى قوة السلاح أو حتى إلى حجج اللسان، فأحال شهور القطيعة الستة إلى معتكف علمي لدراسة القرآن ومراجعة الأحاديث النبوية وترتيب الأوراق والأولويات وأوراقه الشخصية وتنشيط الذاكرة وتسجيل شهادته في أسباب النزول، فأسست في شهور القطيعة الستة لأول مرة في تاريخ العرب والمسلمين ظاهرة السياسي المثقف والخليفة الفقيه ومن يسمى الآن آية الله أو المرجع الدستوري في الدولة. فجددت تلك المرحلة عشرين عاماً من التلمذة الروحية لمريد النبي (ص) والتربية العائلية لربيب ابن عمه والمشاركة اليومية في حياة داخل مسكن واحد فكبر مقامه الكبير في نفوس المسلمين وأضيفت لنفوذه الروحي أسباب الورع والزهد والبعد عن النَفَس في الرياسة وتعالٍ عن الخلاف، ولم يكن لرجل بدور الإمام في بناء الإسلام إن يبتعد في القطيعة إلى أكثر مما انتهى إليه قراره. وكان من الطبيعي أن يكون أصحاب الإمام وهم من رجال الصحبة الأوائل قد بايعوا معه ومعهم الهاشميون الذين لم يباعوا بعد، ولم يقاطع أي من أصحاب الإمام وبني هاشم مركز الخلافة، واندمجوا في الدولة الجديدة ولاةً وقادةً وأمراء مابين البصرة والكوفة والمدائن.

كانت سابقة للإمام علي قد تبدو فريدة في التقاليد السياسية للخلاف في الدولة الإسلامية، حيث لم يلجأ إلى الثورة ولا إلى شيء من التنظيم السياسي لحزب معارض فاعتمدت الشيعة الأمامية بعد مقتل الإمام الحسين ذلك نظرية عمل مقابل فريق شيعي آخر تزعمه الإمام زيد بن علي بن الحسين، وكان تواصلاً للطريقة العربية في ربط المعارضة بالثورة التي عبّر عنها الإمام الحسين في معركة الطف بكربلاء.

لابد أن اتجاهات داخل الفرع الأمامي كانت في وضع حرج بين إعلان المصالحة والمشاركة حيث تصالح الإمام علي وبين فكرة الخروج على الخلافة إلى الثورة المسلحة في النظرية الزيدية، فتكون قد خرجت على شروطها، ولم تحتمل تلك الاتجاهات رؤية الإمام علي في المسجد النبوي إلى جانب أبي بكر وعمر وأبي ذر وسلمان وعمار بن ياسر ومعهم صحابة قادمون من المعسكر السفياني، الذين دخلوا الإسلام بعد فتح مكة، استفادت تلك الاتجاهات من انقطاع الإمام علي في الشهور الستة الأولى عن مركز الخلافة لصياغة نظرية القطيعة المستمرة ورفض المروي عن تصالح الإمام مع مركز الخلافة واستبعادها أن تكون علاقة الإمام حسنة مع عمر بن الخطاب الذي يحّمله ميراث التشيع الرسمي مسؤولية عدم الأخذ بحديث الغدير ومنع النبي (ص) من تدوين وصيته وأخذه بيعة أهل السقيفة لأبي بكر ومهاجمة بيت الإمام علي وكسر ضلع الزهراء وإسقاط جنينها.

حدث ذلك في يوم واحد، وهو اليوم العمري عند فريق الأغلبية من أهل التشيع المكرر كل يوم والموجود في التاريخ والمنقوش في الذاكرة والموروث للأجيال. هو ليس يوماً في التاريخ، إنما اليوم الذي ألغى التاريخ، فخرجت حركة ذلك اليوم عن كونها فعلاً سياسياً وخطة قرشية إلى البعد المعياري المقدس الذي تجرب على ضوء القبول به ورفضه نوايا الأتباع واختبار الحقائق، ودخل مصطلح السقيفة أو يوم السقيفة وأهل السقيفة في المعجم السياسي للتشيع بما يفقد المكان دلالته المكانية إلى دلالته المعيارية، ويكتسب ميكافيلية مبكرة معجونة بالكيد والإصرار على التآمر والاتفاق على استلاب الحق وانتهاك المقدس النبوي. ولهذا كان السؤال الأكثر إحراجاً عند السائل يصوّب نحو كاتب السطور من موقفٍ عند السقيفة ستتبناه هذه السطور، وكيف سيكون الموقف الشرعي إزاءه وإزائي؟.

أما جوابي فليس معقداً وليس فيه من الإحراج ما يجعل الخروج منه صعباً.

وسيكون التعامل مع مصطلح السقيفة بطريقة سياسية واقعية، والسقيفة مكان غاب عنه المقدس، وهي فعل بشري خالص، لكنها يوم التأسيس الثاني للدولة الإسلامية بعد اليوم الذي أعلن فيه النبي (ص) نزول الوحي وليس مهماً، أمام مشروع دولة ناهضة وكبرى، من سيكون الرجل الأول في السلطة سواء كانت البيعة لسعد بن عبادة أم لعلي بن أبي طالب أم لأبي بكر مادام مؤتمر السقيفة سياسياً لم يأت به قرآن ولاحديث نبوي ولاسنة ولاسابقة.

وأظنه موقفاً مشتركاً للمؤرخين والكتاب والعاملين في السياسة العربية، الذين هم خارج ميدان الخلاف الفقهي في موضوع الولاية نصاً كانت أم انتخاباً. وعندهم أن السقيفة يوم تقرر فيه مواصلة العمل في مشروع الدولة فلم يؤد الخلاف إلى انشقاق مسلح وانقسام بين أتباع وأتباع وظهور إمامين أو خليفتين .

والسؤال الذي يوّجه من كاتب السطور إلى سائليه، لو أن الإمام علي بن أبي طالب ذهب إلى اتخاذ قرار بإعلان خلافته وحوله صحابة مؤيدون وأتباع، وحدث الانشقاق المسلح، هل كان ليوم السقيفة أن يواصل بين مرحلتين رحل النبي فيها عن الأولى وبدأت الثانية متصلة بالأولى، دون فراغ في السلطة والإدارة؟.

أقول.. إذا كانت براعة عمر بن الخطاب، التي سأتحدث عنها في صفحات لاحقة قد سجلت ليوم السقيفة أن يملأ الفراغ، فالذي منع الانشقاق وحال دون الانقسام هو الإمام علي بن أبي طالب الذي أكتفى بالاحتجاج العلمي والعيش مع البحث العلمي في القرآن وإلى جانبه زوجته بنت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أكل الحزن جسدها النحيل فلم تقاوِم سوى تلك الشهور لتبقى حيةً، وقد فارق والدها الحياة.

إن الإمام علي رافض الانشقاق، ولم يكن من روافض خلافة الشيخين.

الفقه المشترك

يقول محمد حسين هيكل: جاءوا إلى عمر يوماً بامرأة، وأقرت، فأمر برجمها. فقال علي بن أبي طالب: لعل بها عذراً؟.

ثم قال لها: ماحملك على ما فعلت؟ قالت: كان لي خليط، وفي إبله ماء ولبن، ولم يكن في إبلي ماء ولا لبن، فظمئت فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى أعطيه نفسي، فأبيت عليه ثلاثا. فلما ظمئت وظننت أن نفسي ستخرج أعطيته الذي أراد، فسقاني. فقال علي: الله اكبر!. (فمن اضطّر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم). وفي السنن للبيهقي عن أبي عبد الرحمن السلمى أن عمر أتي بامرأة جهدها العطش، فمرت على راع فاستسقت فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت، فشاور الناس في رجمها فقال علي: هذه مضطرة أرى أن تخلى سبيلها، ففعل.

وروى أن غلمانا لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر فأقروا، فأمر كثير بن الصلت بقطع أيديهم. فلما ولّى رده ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له، لقطعت أيديهم.

ثم قال: يامزني، بكم أريدت منك ناقتك؟. قال: بأربعمائة. قال عمر لابن حاطب: اذهب فأعطه ثمانمائة، وأعفِ الغلمان السارقين من الحد، لأن حاطباً اضطرهم إلى السرقة لجوعهم وحاجتهم إلى سد رمقهم.

ومن صميم الفقه الذي واجه به عمر التطور الجديد في الحياة العربية اجتهاده في تفصيل ما لم يرد عنه نص صريح في كتاب الله، فقد وضع القرآن نظاماً للتوريث لم يكن معروفاً قبل الإسلام، وفرض لكل ذي حق من الورثة حقه. على أن من التفاصيل مالم يكن عليه نص في هذا النظام. وقد رفعت لعمر مسائل أخرى لم يكن عليها نص في كتاب ولا سنة، فلم يكن بد لحلها من اجتهاد الرأي.

من ذلك المسألة المعروفة بالمسألة العمرية، أو المسألة الحجرية، فقد قسمت تركة فأصاب أخو المورث لأمه فرضه، ولم يبق لأخي المورث الشقيق ما يرثه. فلما رفع الأمر إلى عمر أفتى بأن الأخ الشقيق أخ لأم وأخ لأب معاً، فليس من الإنصاف أن يحرم لأنه شقيق، ولذلك قال: هبوا أباه كان حجراً، وفي رواية كان حماراً، وورثه من التركة على أنه أخ لأم يشترك مع غيره من الإخوة لأم.

وقد واجه عمر الشيء الكثير من مشاكل الميراث بعد طاعون عمواس بالشام، فقد هلك ألوف بهذا الطاعون، وتداخلت مواريثهم تداخلا كان يشغل دور القضاء في أية أمة. وكان مما صنعه أن قسم المواريث فورث بعض وأخرجها إلى الأحياء من ورثة كل منهم. وتستطيع أن تتصور الدقة في هذا الأمر، وما يمكن أن يثور بسببه من نزاع. وليس من غرضي أن أفصل شيئاً من ذلك، وإنما أشير إليه تنويهاً باجتهاد عمر في مشكلة عويصة حلها في أسابيع حلا رضيه المسلمون جميعاً مع تعلقه بمنافعهم الخاصة، وهذا دليل بالغ وحجة على أن الناس يطمئنون إلى اجتهاد الرأي ما قام على أساس عادل نزيه.

أنتقل الآن إلى مسألة كان اجتهاد عمر فيها متأثراً بسياسته العامة لأمور الإمبراطورية الناشئة، وبحرصه على مواجهة أطوارها الجديدة،وكان له أثره في ازدياد رقعتها فسحة وسعة، ذلك اجتهاده في شأن الأرض التي فتحت عنوة بالعراق والشام.

وقد رأيت المسلمين في العراق والشام انتصروا بالقادسية، وفتحوا المدائن وجلولاء وحمص وحلب وغيرها من المدن وغنموا منها، فكان ما غنموه يفرز خمُسه ويرسل إلى أمير المؤمنين، وتقسم أربعة أخماسه بين الجند المنتصرين، وذلك عملاً بقوله تعالى: " واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل "(*). فلما فتحوا أرض السواد بالعراق أرادوا قسمتها على هذا النحو، يكون خمسها لبيت المال، ويقسم سائرها بين الجند الذين اشتركوا في فتحها. وخالفهم عمر عن رأيهم في قسمة الأرض، وقال: فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض بعلوجها قد قسمت وورثت عن الآباء وحيزت! ما هذا برأي. قال عبد الرحمن بن عوف: ما الأرض والعلوج إلا ما أفاء الله عليهم! أي على الفاتحين ورد عليه عمر: ما هو إلا كما تقول، ولست أرى ذلك، والله ما يفتح بعدي بلد فيكون فيه كبير نيل، بل عسى أن يكون كلاّ على المسلمين. فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها، وأرض الشام بعلوجها فماذا تسدّ به الثغور ويكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره من أرض الشام والعراق!.

لم يسترح الفاتحون إلى قول عمر، فأكثروا عليه، وقالوا: أتقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا! أما عمر فأصر على رأيه، ولم يزد على أن قال: هذا رأيي، فلما رأوا إصراره عليه قالوا: فاستشر. فجمع المهاجرين الأولين فاختلفوا: بقى عبد الرحمن بن عوف على رأيه أن تقسم لهم حقوقهم، ورأى عثمان وعلى وطلحة رأى عمر. وأرسل عمر إلى عشرة من كبراء الأنصار وأشرافهم، خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج وقال لهم:" إني لم أزعجكم إلا لتشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم، فإني واحد كأحدكم وأنتم اليوم تقرون بالحق، خالفني من خالفني ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تعبوا هذا الذي هو هواي، فلكم من الله كتاب ينطق بالحق. فوالله لئن كنت نطقت بأمر أريده ما أريد به إلا الحق!" قالوا:" قل نسمع ياأمير المؤمنين؟" قال عمر:" قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم، وإني أعوذ بالله أن أركب ظلماً! لئن كنت ظلمتهم شيئاً هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت. لكني رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم وعلوجهم، فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله، وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه، وأنا في توجيهه. وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها وأضع عليهم فيها الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها، فتكون فيئاً للمسلمين: المقاتلة والذرية ولمن يأتي بعدهم. أرأيتم هذه الثغور، لا بد لها من رجال يلزمونها!

أرأيتم هذه المدن العظام، لا بد لها من أن تشحن بالجيوش، ولابد من إدرار العطاء عليهم! فمن أين يعطي هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟!"

الإمام علي يقترح على عمر: التاريخ الهجري

وعقد عمر اجتماعاً للمهاجرين والأنصار. فقال: متى نكتب التاريخ؟. فقال له علي بن أبي طالب: منذ خرج النبي (ص) من أرض الشرك، يعني من يوم هاجر، فكتب ذلك عمر بن الخطاب. وبدأ العمل بالتاريخ الهجري، منذ ذلك الحين.

الإمام علي يؤيد مخصصات لعمر!

أبى عمر أن يأخذ نفقة من بيت المال مقابل عمله كخليفة، حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة، ولم تعد له تجارة تكفيه وقد انشغل عنها بأمور الرعية، فعقد مجلساً للشورى، فأشار عثمان بن عفان إليه، أن.. كُل وأطعِم.

فسأل عمر الإمام علي ما تقول أنت في ذلك؟.

قال الإمام: غداء وعشاء، فأخذ عمر بذلك، وقد بيَّنَ عمر حظه من بيت المال. فقال: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة قيّم اليتيم، إن استغنيت عنه تركت، وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف.

علي ينصح بذهاب عمر إلى فلسطين

تناول عمر كتاباً من قائد الجيش الإسلامي في فلسطين يدعوه فيه للحضور هناك فقرأه على المسلمين في المسجد واستشارهم فيه. ورأى عثمان بن عفان أن لا يبرح عمر المدينة قائلاً له: إنك إن أقمت وإن لم تسر إليهم رأوا أنك بأمرهم مستخف ولقتالهم مستعد فلم يلبثوا إلا اليسير حتى ينزلوا على الصغار ويعطوا الجزية. وخالف علي بن أبي طالب رأي عثمان وأشار إلى عمر بالسير إلى إيلياء فقد أصاب المسلمين جهد عظيم من القتال وطول المقام فإذا أنت قدمت عليهم كان لك وللمسلمين الأمن والعافية والصلاح والفتح ولست أأمن أن ييئسوا منك ومن الصلح ويمسكوا حصنهم ويأتيهم المدد من بلادهم وطاغيتهم لا سيما وبيت المقدس معظم عندهم واليه يحجون. وآثر عمر رأي علي وأخذ به فاستخلفه على المدينة وأمر الناس بالتأهب للسير معه.

ودخل إلى بيت المقدس في قصة معروفة.

الإمام علي لا ينصح عمر بالذهاب الى بلاد فارس:

في العامين الأخيرين من خلافة عمر بن الخطاب، استكملت فئات اجتماعية في الكوفة، أسباب الرفاه، فضربهم البطر، فضعفت روح الاندفاع، وتراخت النفوس، فانضاف ذلك إلى ماعرف عند القبائل العربية التي تشكل منها المجتمع الكوفي، من ميل إلى الخصومة والمشاكسة، فتنافسوا مع بعضهم البعض، ولم يكن والي الكوفة سعد بن أبي وقاص إدارياً حازماً، مثلما كان قائداً عسكرياً فريداً. وقد استبطن عمر هذا الجانب في سعد. فاستدعاه إلى المدينة، وكان طبيعياً لجهاز الاستطلاع الفارسي المتغلغل في المدن المفتوحة، أن ينقل صورة ما عن اضطراب الكوفة التي هي مركز النشاط، وقاعدة الفتح الأولى، مما بث في قادة الجيش الفارسي قوة ارتدادية وتشكيل بؤر ثورية لطرد العرب من بلادهم فتقدمت قوات منهم لاستعادة بعض المدن من سلطة العرب، وكان القائد الفارسي الغيرزان يدير حرباً نفسية.

ويتقدم نحو مدينة همدان الإستراتيجية، حتى خيل لأهل الكوفة المنشغلين بصراعاتهم، أن الغيرزان على أبوابهم، فأبلغ مركز الخلافة في المدينة بهذه التطورات. وكان المبعوث الشخصي لعمر، محمد بن سلمة قد اخفق هذه المرة في معالجة الإشكالات بين أهل الكوفة وسعد بن أبي وقاص، فاستدعى عمر أهل المدينة إلى الصلاة في المسجد النبوي وارتقى المنبر، ونقل لهم أخبار الوضع العسكري على الثغور، وما قيل عن كثرة العدو واستعداداته، وأن الكوفة أصبحت مهددة بالسقوط!. وهذا أسلوب محمدي التزم به الخلفاء الراشدون، ويقضي بمكاشفة الناس بأسرار الواقع العسكري والسياسي، مثلما هو، على طريقة الدول الديمقراطية الحديثة، وعليه سار الإمام علي في حربه مع معاوية، ولم يلتزم الأخير به، إذ اعتبر ذلك اختراقاً يبيح "للعدو " الوقوع على معلومات عسكرية لا يجب الاطلاع عليها. واعتبر ذلك من أسباب نجاح سياسة معاوية كما أعلن ذلك مرة.

أقول: إن عمر بعد أن عقد المؤتمر الخاص وصولا إلى المشترك، عرض على المؤتمرين استعداده للتوجه شخصيا إلى العراق. وأشار بعض الحاضرين بأن يسير الخليفة بالجيوش إلى العراق، ويدعو قواته باليمن والشام لمواجهة الحركة الارتدادية والتي كان مركزها في نهاوند. وأشار عليه آخرون بأن يقيم في المدينة ويرسل الجيوش من تلك الأمصار لوقف الغزو الفارسي المتوقع.

أما الإمام علي فقد رفض فكرة ذهاب عمر إلى الثغور، ورفض فكرة استدعاء الجند من اليمن والشام، وعرض مقطعاً يوجز مالدى الإمام علي من فكر استراتيجي في جانب، وحرصه على سلامة عمر بن الخطاب في جانب آخر قائلاً:

" يا أمير المؤمنين، إنك إن أشخصت – أي استدعيت – أهل الشأم شأمهم صارت الروم إلى ذراريهم، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم، وإنك إن أشخصت من هذه الأرض، انقضت عليك الأرض من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك أهم اليك مما بين يديك من العورات – والعيالات، وإنما مكانك من العرب مكان النظام من الخرز يجمعه ويمسكه، فإن تفرق ما فيه وذهب ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً. وان الأعاجم إن ينظروا إليك غدا قالوا هذا أمير العرب وأصل العرب، فكان ذلك أشد لكلبهم فتألبوا عليك، أما ما ذكرت من عدد القوم، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، ولكنا كنا نقاتل بالنصر، فاقم مكانك، واكتب إلى أهل الكوفة فهم إعلام العرب ورؤساؤهم، فليذهب منهم الثلثان، وليقم الثلث، واكتب إلى أهل البصرة يمدونهم".

اقتنع عمر برأي الإمام، وسرَّ به، وطلب إلى مؤتمر المسجد النبوي أن يرشح أميراً للجيش الذي سيتوجه إلى قتال الفيرزان وقواته، واقترح أن يكون الأمير المرشح عراقياً. فوقع الاختيار على النعمان بن المقرن.

فصاح الحاضرون.. هو.. لها. فوضع الأمير العراقي خطة عسكرية للهجوم، بدأت باستطلاع سري تسلسل خلاله عمرو بن معدي يكرب إلى مقربة من قلب القوات الفارسية في نهاوند فعاد ومعه خارطة ومعلومات خاصة سرعان ما أخذ بها النعمان والتحم الجيشان وسالت الدماء فزلق جواده واستثمر الفرس كبوة الجواد فأصابه سهم في خاصرته وكان إلى جانبه شقيقه نعيم بن مقرن، فسجاه بثوبه، وأخذ اللواء من يده ودفعه إلى الحذيفة بن اليمان، وسار باللواء إلى حيث كان النعمان وانتهت المعركة بنصر كبير وتحرير نهاوند التي أصبحت في وسط العراق العربي، وهي التي يرد ذكرها في الأخبار اليومية باعتبارها موقعاً مناسباً لرمي الجثث المقطوعة الرؤوس لعراقيين من عامة الناس.

وكان الحذيفة بن اليمان، من أصحاب الإمام علي وأشد الموالين له، وهو قائد جيش عمر الذي منع الغزو الفارسي وطرد الفرس من قلب العراق في أخطر مواجهات الفتوح وفي نهاوند تلتقى الإرادتان والعبقريتان وتنجح العرب.

لكن منطق السياسة الطائفية ومناهج القطيعة تقضي بأن تقدم جماعة تحمل اسم، جيش الفاروق عمر، لذبح المارة المسلمين وهم في طريقهم إلى منطقة قد تبعد قليلا عن مكان قوات تحمل اسم أهل البيت والموالين للإمام علي فتداهم بيوت المدائن وتختار عشواء وتقتل عشواء لتضع الجثث المكبلة الأيادي والمعصوبة الرؤوس في موقع نهاوند ذاته!.

عمر يبسط رداءه للإمام علي

إن السيد شرف الدين صاحب "المراجعات" لا ينكر العلاقة الطيبة التي كانت قائمة بين عمر والإمام علي، فيؤيد الرواية التي تتحدث عن بسط عمر رداءه للإمام قائلاً: وسأل علي عمر أيام خلافته، فقال له: أرأيت لو جاءك قوم من بني إسرائيل، فقال لك أحدهم: أنا ابن عم موسى أكانت له عندك إثرة على أصحابه، قال: نعم، قال، فأنا والله أخو رسول الله وابن عمه، فنزع عمر رداءه فبسطه، وقال: والله لا يكون لك مجلس غيره حتى نتفرق، فلم يزل جالساً عليه، وعمر بين يديه حتى تفرقوا بخوعا لأخي رسول الله وابن عمه!.

عمر يُقبِّل رأس الإمام علي:

شكا رجل عليا إلى عمر فلما جلس عمر لينظر في الدعوى، قال عمر لعلي: ساو خصمك يا أبا الحسن! فتغير وجه علي، وقضى عمر في الدعوى، ثم قال لعلي: أغضبت يا أبا الحسن! لأني سويت بينك وبين خصمك؟ فقال علي: بل لأنك لم تسو بيني وبين خصمي يا أمير المؤمنين! إذ كرمتني، فناديتني يا أبا الحسن! بكنيتي، ولم تناد خصمي بكنيته، فقبّل عمر رأس علي وقال: لا أبقاني الله بأرض ليس فيها أبو الحسن.

عمر للإمام الحسين: انتم على الراس:

عن الدكتور علي محمد الصلابي في كتابه عمر بن الخطاب وقد جمع فيه كل جميل في عمر. وكل جليل لعمر.

جاء فيما رواه الحسين بن علي: أن عمر قال لي ذات يوم: أي بني! لو جعلت تأتينا، وتغشانا؟ فجئت يوماً وهو خال "بمعاوية، وابن عمر بالباب لم يؤذن له، فرجعت، فلقيني بعد، فقال: يا بني لم أرك أتيتنا؟ قلت: جئت، وأنت خال" بمعاوية، فرأيت ابن عمر رجع، فرجعت. فقال: أنت أحق بالإذن من عبد الله بن عمرو، إنما أنت من رؤوسنا ما ترى! الله، ثم أنتم، ووضع يده على رأسه.

وروى ابن سعد عن جعفر بن محمد الباقر عن أبيه علي بن الحسين، قال قدم على عمر حلل من اليمن، فكسا الناس، فراحوا في الحلل، وهو بين القبر والمنبر جال، والناس يأتونه، فيسلمون عليه ويدعون له، فخرج الحسن، والحسين من بيت أمهما فاطمة يتخطيان الناس، ليس عليهما من تلك الحلل شيء، وعمر مقطب بين عينيه، ثم قال: والله ما هنأ لي ما كسوتكم! قالوا: يا أمير المؤمنين! كسوت رعيتك، فأحسنت، قال: من أجل الغلامين يتخطيان الناس، وليس عليهما من شيء، كبرت عنهما، وصغرا عنها، ثم كتب إلى واليه في اليمن أن ابعث بحلتين لحسن، وحسين، وعجل. فبعث إليه بحلتين، فكساهما.

وعن أبي جعفر: أنه لما أراد أن يفرض للناس بعدما فتح الله عليه، جمع ناساً من أصحاب النبي (ص) فقال عبد الرحمن بن عوف: أبدأ بنفسك، فقال: لا والله ! بالأقرب من رسول الله (ص)، ومن بني هاشم رهط رسول الله (ص)، وفرض للعباس، ثم لعلي، حتى والى بين خمس قبائل، حتى انتهى الى بني عدي بن كعب، فكتب من شهد بدراً من بني أمية بن عبد شمس، ثم الأقرب، فالأقرب، ففرض الأعطيات لهم، وفرض للحسن والحسين لمكانهما من رسول الله (ص).

يقول العلامة شبلي النعماني في كتاب " الفاروق" حول عنوان " رعاية الحقوق والآداب بين الآل والأصحاب ": إن عمر – رضي الله عنه – لم يكن يبت برأي في مهمات الأمور قبل أن يستشير علياً الذي كان يشير عليه بغاية من النصح، ودافع من الإخلاص، ولما سافر إلى بيت المقدس، استخلفه في جميع شؤون الخلافة على المدينة، وقد تمثل مدى الانسجام، والتضامن بينهما حينما زوجه علي من السيدة أم كلثوم، التي كانت بنت فاطمة وسمى أحد أولاده عمر، كما سمى أحدهم أبا بكر، وسمى الثالث عثمان ولا يسمي الإنسان أبناءه إلا بأحب الأسماء، وبمن يرى فيهم القدوة المثالية.

وكان عمر يستشيره في الأمور الكبيرة منها، والصغيرة، وقد استشاره حين فتح المسلمون بيت المقدس، وحين فتحت المدائن، وعندما أراد عمر التوجه إلى نهاوند، وقتال الفرس، وحين أراد أن يخرج لقتال الروم، وفي موضوع التقويم الهجري وغير ذلك من الأمور، وكان علي طيلة حياة عمر ناصحاً لعمر خائفاً عليه، وكان عمر يحب علياً، وكانت بينهما مودة، ومحبة، وثقة متبادلة، ومع ذلك يأبى أناس إلا أن يزوروا التاريخ، ويقصوا بعض الـروايات، التي تناسب أمزجتهم، ومشاربهم، ليصوروا لنا فترة الخلفاء الراشدين عبارة عن: أن كل واحد منهم كان يتربص بالآخر الدوائر، لينقض عليه.

عطاء أهل البيت في عهده

إن الانتقادات التي رميت بها سياسة العطاء في ولاية عمر بن الخطاب لاتزال متواصلة، لكونها جرت على تصنيف المشمولين إلى مراتب تأخذ بنظر الاعتبار القرب والقرابة من النبي صلى الله عليه وسلم، والقِدم في الإسلام على رأس الشروط الأولى، وهو يعتقد أن من غير العدل مساواة من قاتل رسول الله ومن قاتل معه، وليس من العدل عنده أن تكون مخصصات العطاء واحدة لزوجة النبي أو لعمه أو لابن عمه، ولأحفاده مع عامة الناس لشعور عمر بأن هذه المساواة ستغبن أهمية البيت النبوي، وهو لا يأخذ من حصة الناس، فيعطيها للعائلة المحمدية، ولقدماء المسلمين. وإنما يزيد حصتهم بعد أن يوزع الحصص وينال كل واحد منهم نصيبه، وكان لهذا المبدأ دور في ظهور الثراء عند شريحة من أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم.

كعمه العباس بن عبد المطلب، وابنه، وأم المؤمنين عائشة، وكثير من الصحابة الأوائل سواء كانوا من أشراف قريش كعبد بن الرحمن بن عوف، وطلحة والزبير، أم من عبيدهم ومواليهم السابقين، كبلال الحبشي، والخبّاب بن الأرت، وصهيب الرومي..

بمعنى أن حصة الإمام الحسن والإمام الحسين كانت أكثر من حصة أبناء الصحابة الآخرين. لكن تعفف الإمام علي وفرضه الزهد والكفاف على نفسه وعائلته جعلت تلك الأموال توزع على فقراء المسلمين، لأن الإمام علي كان يأخذ بآية تحريم الكنز، وقد اختلف الفقهاء والمفسرون، ما إذا كانت منسوخة بآية الزكاة. فلا يحفظ في بيته مال سائل، ولا جامد، ولم يتمتع عياله برفاه الفتوحات، وعلى هذا جرى أصحابه كأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، ولم يجرِ عليه صحابة آخرون، منهم عمه العباس وعائلته مادام ما يكسبه حلالاً طيباً.

ولمّا وليّ الإمام علي، عاد إلى التسوية في العطاء، وألغى مبدأ التفضيل، فشمل ذلك قدماء الصحابة، وأهل البيت الذين كانت حصتهم أكبر في عهد عمر من أموال العطاء.

وكان هادي العلوي نشر رسالة فقهية ناقش فيها آية الكنز، واعتبر القول بأنها من المنسوخ، بداية تحول خطير في الميل، عن الزهد الإسلامي، لصالح الطبقة الارستقراطية الجديدة، فاصطدم رأيه بعموم السياسيين الإسلاميين الشيعة، إذ لا يعتبر الأثرياء وكانزو الأموال من الفقهاء والتجار موالين للإمام علي، على قاعدة تحريم الكنز.

وبالعودة إلى سياسة عمر في العطاء، فقد تمنى لو عاش إلى " قابل " أي إلى العام التالي، ليأخذ الفضول ممن اغتنوا بالأموال، ويعيد توزيعها على مبدأ التسوية.

وعند هذا يعود العليّان للالتقاء مرة أخرى، لكن الخنجر المسموم كان قد أخذ مكانه في أمعاء عمر، وأحال بينه وبين ذلك اللقاء المنتظر على سياسة العطاء.

أما موقفي الشخصي، فمازلت على حماسة المقالات التي كتبتها في الستينات والسبعينات إعجاباً بسياسة عدم المساواة في العطاء، لأنها تأخذ بحق القِدم. وامتياز العائلة النبوية... ولا أساوي من قاتل رسول الله(ص)، ومن قاتل معه.

عمر والعلويون ضد الاجتثاث !.

أظهر أبو بكر في معالجة حركة الارتداد في الأيام الأولى من خلافته بعد وفاة الرسول (ص) حزماً يتعاشق بالعنف مما لم يكن متوقعا من شيخ مسالم طالما عرض نفسه وسيطاً لدرئ الأذى عن أسرى قريش والمتهمين بقضايا وجنح فيستحيل عند خلافته قائداً ثورياً صارماً لا يلين.

وبلغة الصحافة اليومية استحال أبو بكر من جناح الحمائم إلى جناح الصقور، ولم يتساهل مع المرتدين حتى بعد أن عادوا إلى الإسلام من جديد وأعلنوا توبتهم، وأرسلوا بوفود الصلح إليه، لكنه لم يترك لهم شرطاً فأملى شروطه كاملةً: فلا يولي أي زعيم في القبائل المرتدة، وإن أعلن توبته وعودته إلى السلطة المركزية.

ولا يتسلم مسؤولية إدارية ولا يرسل أياً منهم إلى الجهاد. ومن يراجع لائحة أبي بكر، التي أصدرها في حروب الردة يجد فيها سابقة واضحة الفقرات لقوانين الاجتثاث السائدة في أيامنا هذه.

أما عمر المعروف بشدته، والذي وصفه النبي (ص) بأنه يشبه النبي نوح في القسوة على قومه، فقد تحول إلى صفوف الحمائم عندما أملى أبو بكر بحضور عمر على وفد الصلح في حروب الردة خيارين. أما الحرب المجلية وإما السلم المخزية.

قالوا: هذه المجلية فقد عرفناها فما المخزية؟.

قال أبو بكر: ننزع عنكم الخلفة والكراع، ونغنم ما أصبنا منكم، وتردون علينا ما أصبتم منا، وتدون قتلانا، أي تدفعون الدية، وتُترَكون أقواما يتبعون أذناب الإبل.

نهض عمر فوافقه على شروط واعترض على أخذ الديات منهم على قتل المسلمين بعذر شرعي مقبول، وإن كنت أميل إلى وجود عامل آخر دفع عمر إلى الاعتراض لرؤيته زعماء القبائل في ذلك الوضع الذليل، فأراد أن يخفف عنهم ماداموا قد عادوا إلى الإسلام مرة أخرى. قائلاً حول رفض الدية: إن قتلانا قاتلت على أمر الله وأجورها على الله وليس لها ديّات، فتتابع القوم على ما قال عمر. وتعجب مع عجب طه حسين أن يستثني أبا بكر من زعماء الردة، الأشعث بن قيس الكندي ذلك الذي أسلم أيام النبي (ص) ثم ارتد بعد وفاته. وألب قومه حتى ورطهم في الحرب، وأسرع إلى المدينة تائباً، فلم يعصم دمه من أبي بكر فحسب. ولكنه أصهر إليه وتزوج اخته أم فروة ثم همل في أيام عمر، وظهر في أيام عثمان. وانتهى به المطاف إلى الإمام علي لكنه كما يقول طه حسين لم يخلص له نفسه وقلبه ولم يكن ناصحاً له!.

ولم يستطع أن يثني صاحبه وشيخه عن قراره باجتثاث المرتدين إلى يوم وفاة أبي بكر وإعلان خلافة عمر، وقد انشغل في أسبوعه الأول بمراجعة قرارات أبي بكر مع أهل الردة فقرر عمر ما يلي:

إطلاق سراح الأسرى من القبائل العربية وتحريرهم ووضع سابقة لعدم جواز سبي المرأة العربية فحرر السبايا وأعادهن إلى قبائلهن.

رأى من المفيد للدولة أن يستخدم ذوي الكفاءات العسكرية العالية لزعماء الردة بإرسالهم إلى الثغور والاستفادة من تجاربهم في وضع الخطط العسكرية على أن لا يولي أي تائب من المرتدين في مناصب قيادية عليا. فاستدعى طلحة بن خويلد الأسدي وعمرو بن معدي يكرب الزيدي وأرسلهما بمهمة عسكرية إلى العراق وفارس. وقد أبلى كل منهما بلاء حسنا وساهموا في إنجاح الخطط العسكرية كما استعان بهم في وفد التفاوض الذي شكله إلى كسرى انيشيروان.

وسياسة عمر كان لها أمثلة في الدعوات العلوية، فإذ تعرض العلويون لسياسة الاستئصال والاجتثاث في الأوان الأموي، فاستثمرت ذلك الحركة العباسية للتشهير بالأمويين، وليس حباً أو احتراماً لحياة العلويين. باشرت الدولة العباسية بسياسة استئصال واجتثاث جذري لكل أموي زعما منها أنها تثأر للعلويين والهاشميين وكان القائد العباسي داود بن علي أكثر أقرانه حماسة لسياسة الاستئصال. وبعض الشعراء يشجعون عليها ويطالبون بالمزيد فتبنى الزعيم العلوي الثائر عبد الله بن الحسن المعارضة العلنية ضد سياسة اجتثاث واستئصال الأمويين فقال لداود بن علي: " يا ابن أخي إذا قتلت هؤلاء كلهم فمن تباهى بملك الله ".

وكان هذا العلوي يظن أن إثارة هذا الجانب ستكون كافية لمنع سفك دماء الأمويين، لكن داود بن علي العباسي واصل حملة الاجتثاث والاستئصال حتى النهاية. فيما واصل عبد الله بن الحسن العلوي احتجاجاته ضد الاستئصال الدموي لبني أمية.

لقد اجتمع رأي عمر والعلويين فيما بعد على رفض سياسة الاجتثاث وان كان المطلوب اجتثاثه تائباً من أهل الردة أم أمويا متهماً بقتل العلويين.

فيتصدى ضحاياه بعد حين لمنع وقوع الاستئصال عليه رحمة إلهية وكرماً علوياً.

تقول سميرة الليثي في كتابها "جهاد الشيعة " إن عبد الله بن الحسن العلوي أبدى سخطه على السياسة التي انتهجها الوالي العباسي داود بن علي في التنكيل بأنصار بني أمية حيث أسرف في سفك دمائهم.

وعند فتح مكة وضع النبي (ص) لائحة بأحد عشر مطلوباً. كان منهم عبد الله بن أبي ربيعة. والحرث بن هشام، ولم يشملا بالعفو العام فلجأ المطلوبان إلى بيت شقيقة الإمام، علي، وتكنّى أم هاني بنت أبي طالب، فعثر عليهما الإمام علي، وكان مدججاً بالحديد، فلم تتعرف عليه اخته التي وقفت بين علي وبينهما وحالت دون قتلهما حتى بعد أن اكتشفت هوية شقيقها. وقيل في رواية أغلقت عليهما الباب وذهبت إلى النبي (ص) وشكت إليه. أسوة بمثاله الجاذب عمر بن الخطاب وبجده المجاهد عبد الله بن الحسن.

لقد نجح عمر في منع الاجتثاث، وأخفق عبد الله بن الحسن وحفيده لأن الأخيرين لم يمتلكا السلطة. ولم يملك أي منهما بعضاً من قوة عمر وإن سارا على سيرته.

والحمد لله أن العلوي كاتب السطور والذي طارده نظـام البعث في العراق ربع قرن لاستئصاله وقف بعد سقوط نظام الحزب في 9/4/2003 على منصات التلفزيون وأمام الميكروفونات ناصحاً أصدقاءه في السلطة الجديدة بعدم المضي في سياسة الاستئصال وكان من أبرز معارضي قانون الاجتثاث.

الإمام علي يرثي عمر

يروى عن أبي طلحة كما يقول المؤرخ المصري محمد حسين هيكل في كتابه الفاروق عمر أنه قال: ما من أهل بيت من العرب حاضر ولابد إلا وقد دخل عليهم بقتل عمر نقص في دينهم وفي دنياهم. وروي عن الحسن انه قال: أي أهل بيت لم يجدوا(*) فقد عمر فهم أهل بيت سوء.

وكان الضعفاء والبؤساء أقوى شعوراً لوقع الكارثة التي نزلت بهم وكان لهم حصناً حصيناً ويستغرب هيكل أن لا يورد المؤرخون من رثاء أصحاب الرأي يومئذ لعمر مثلما أوردوا لأبي بكر من رثاء يوم قبض. وقد دخل الإمام علي بن أبي طالب على عمر إثر وفاته فألفاه مسجى بثوب في ناحية من غرفته فرفع الثوب عن وجهه. يرحمك الله أبا حفص ما أحد أحب إليّ بعد النبي (ص) أن التقى الله بصحيفته منك. والأكثر تواتراً أن علياً وقف على عمر بعد أن غسل وكفن وحمل إلى سريره فأثنى عليه وقال والله ما على الأرض رجل أحب إليّ من أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى بالثوب. فلما صليّ على عمر جاء عبد الله بن سلام، فقال: لئن كنتم سبقتموني بالصلاة عليه لاتسبقوني بالثناء عليه.

أحد عشر عاماً و 18 الف صلاة

مازال البحث جارياً ورغبتنا متواصلة في العثور على أحد عشر عاماً في مطلع التاريخ الهجري، فقدت أو بالأحرى أم محتوياتها مفقودة. وتتصل بحياة الإمام علي وأين أمضى تلك السنوات عند ما كان عمر خليفة. المعروف فقط لدينا عنوان مسكن الإمام في حي بالمدينة يلتف حول مسجد بناه الرسول والصحابة في الأيام اللأولى للهجرة النبوية، وعلى بعد أذرع كان بيت لعائشة، وثالث لعمر، ورابع للعباس بن عبد المطلب، والخامس لعثمان بن عفان، والسادس لسعد بن أبي وقاص، والسابع لطلحة بن عبد الله والثامن لزبير بن العوام، والتاسع لسعد بن عبادة والعاشر لعبد الرحمن بن عوف حتى لنصل بترقيم الحي إلى أقل من نصف ألف، حيث تنداح مساكن الصحابة وأهل المدينة. نعرف أيضاً أنهم مسلمون، والمسلمون مرتبطون بمواقيت الصلاة الخمسة، وليس لهم إلا مسجد واحد، يقيمون فيه الصلاة. نعرف أن العرب تلتقي في مجالي الضيافة، وتتسامر على ضوء القمر، وتتزاوج وقد تمر المرأة الواحدة على أربعة رجال، إذا ما ترملت، أو طلقت، فينشأ في البيت الواحد ثلاثة أبناء من أباء مختلفين إذا وضعنا جدولاً حسابيا لنحصي أعداد الأصوات التي أقيمت في المسجد النبوي، حيث سكان أهل المدينة القدماء والجدد يتوجهون للصلاة فيه منذ افتتاحه في العام الأول للهجرة حتى اغتيال عمر، فسيربو الرقم على (41) ألف مرة، منها (18) ألف مرة التقى فيها المسلمون للصلوات في عهد عمر، وسيكون سكان الحي الذي يتوسطه المسجد، قد التقوا هناك (41) ألف لقاء نستقطع منها أيام الغياب، التي يكون فيها بعض هؤلاء السكان مسافرين إلى مكان آخر، وهم قلما يسافرون. وقد جرت العادة أن يجلس المصلون مع إمامهم في حلقات بعد كل صلاة، يتساءلون عن أمور دينهم ودنياهم، فإذا امتدت الجلسة نصف ساعة بعد كل صلاة، فسيكون مواطنو المدينة قد التقوا في عهد عمر عند المسجد (9000) ساعة، عدا ساعات الغياب. فهل كان من بين هؤلاء المصلين رجل يدعى علياً، وأخر يسمى عمر، وثالث يدعى عثمان، أم تراهم كانوا يصلون في بيوتهم؟!، وإذا ما حضروا والتقوا تسعة آلاف ساعة، هل كان الواحد منهم يجلس وظهره على الآخر، ألم يتحدثوا في أمر هذه الدولة الجديدة وشؤونها، ويتشاوروا في أزمتها؟. أو يتحدثون عن عرسهم الجديد. المطلوب أن يتفرغ جيل من الدعاة والباحثين، للبحث عن هذه السنوات المفقودة في حياة الإمام علي، والتي حجبها الفريقان إلا قليلاً لكي لا يرى أتباع علي المعاصرون، أن إمامهم كان إلى جنب عمر، إذناً لفم، ولكي لا يعترف الفريق الآخر أن عمر كان على هذه الصلة بعلي. نشعر بالحاجة إلى مزيد من الأسئلة الساذجة، لنقفو أثر الإمام، خارجاتً من بيته ليسأل عن صغرى بناته أم كلثوم، التي طلبها عمر، فاستجاب علي ليولد لهما زيد حفيداً مشتركاً. ألم يحدث أن زار الأمام علي ابنته، وداعب حفيده، وقد رأى بأم عينيه، كيف كان جد أولاده يلاطف الحسن والحسين فيركبان ظهره وهو يصلي، أم أن الإمام قاطع ابنته، لأنها تزوجت من عمر دون رغبته!. فتكون أم كلثوم مارقة، وهو ما لم يحدث لبنات العرب حتى ونحن في عصر المشاعية الجنسية؟.

أم لأن الزواج لم يحصل كما يقول بعض مؤرخي الشيعة؟.

إن العثور على المحاضر الشفوية لـ 10% فقط، من 18 ألف جلسة و9000 ساعة، سيجهز المؤرخين والدعاة بمادة تزيد على ما كتبه الطبري والبلاذري أضعافاً!. فكيف اختفت إحدى عشر سنة، و18 ألف صلاة، و9000 ساعة، ومن وضع الحجر على سكان المدينة، فمنعهم من التجوال، ومكثوا في بيوتهم لا يرى الواحد منهم الآخر، ولا يزاوجه و لا يضاحكه أم أنهم كانوا حيين، مثل أحياء فلسطين وإسرائيل، يترامى فيها الأطفال، بالحجارة على جمال السلطة، أو أن تكون سلطة المدينة في وضع البحث عن المارقين والمنشقين عن دين الله؟. لابد من أنَّ واحداً من هذه المشاهد، كان قائماً. والذي يبدو أن الصراع السياسي والطائفي قد فضل مشهد الأحياء الفلسطينية على المشهد النبوي في مسجده. وهذا اجتهاد الفعل أما برهان النقل، فلم يذكر المؤرخون أن الإمام علي كان لا يحضر إلى الصلاة في المسجد احتجاجاً مثلاً على الخليفة. وإنما ذكروا أن سعد بن عبادة مرشح الخزرج وصاحب السقيفة، هو الذي قاطع الصلاة في المسجد أيام أبي بكر وفي السنة الأولى من خلافة عمر.

عـمــر والـعــراقـيـون

حرر مصر فأوفى له المصريون

وحرر أرض السواد فكبا أهلها!

العراق العمري:

تاريخياً وبإجماع لم يخرج عليه مؤرخ، أن عمر بن الخطاب هو ناشر الإسلام العراقي ومؤسس العراق العربي الأول.

ولو كان عمر من أباطرة الأمم والشعوب، التي مرت على العراق فأقامت أو رحلت، لكان "العمريون"هو الاسم الذي يتسمى به سكان الرافدين، بدلاً من لقبهم الوطني حالياً، مثلما سُمي أهل تلك البلاد بالسومريين والآشوريين والبابليين ثم العثمانيين.

وتاريخ العراق العمري يبدأ في العام الثاني عشر للهجرة بقرار بناء مدينة البصرة، ثم الكوفة من بعدها، لتشكل هاتان المدينتان الجذر المزروع لحضارة عربية إسلامية، ستنشأ وتربو وتهيّء لأبي جعفر المنصور بناء المدينة الثالثة التي استعصم فيها، فصارت بغداد مركز تلك الحضارة، والبصرة والكوفة جناحيها اللذين طارت بهما من الصين إلى أبواب فرنسا.

إن عمر من هذا الجانب مؤسس حضارة رافدية مثلما كان سرجون الأول وحمورابي ونبوخذ نصر.

ولعله أضاف إلى سكان بلاد الحضارات الرافدية، حضارةً أخرى إلى جانب السومرية والبابلية والآكادية والآشورية.

وسيكون الاهتمام بعمر والاقتراب منه من باب الاهتمام بالتاريخ العراقي وتكريم مؤسسيه الأوائل.

وسيكون حُب عمر بن الخطاب من حُب العراق والاعتزاز به من باب اعتزاز الشعوب برجال استقلالها وإنماء شخصيتها الحضارية التي كانت نهب الناهبين، والعراق آنذاك في منطقة فراغ، إذ لم يغط الاحتلال الفارسي للعراق الكتلة السكانية والجغرافية وإنما عاش محصوراً في قطع صغيرة، وانتشر بأسلوب الأرخبيل على جزر لم تشكل أكثر من ربع مساحته الجغرافية، بينما أنساح العراق العمري على جغرافية العراق من بصرتها إلى موصلها.

إن عمر بن الخطاب بدوره هذا، إنما مَنَح دوراً للعراقيين ولبقاع مغمورة كالبصرة ومهجورة كالكوفة وغير معروفة كبغداد أن تكون جاذباً لاستقطاب القبائل العربية الكبرى، فاستقرت المضرية في البصرة واليمانية في الكوفةِ وبهما أخذ العراق شكله العربي الأول.

وخلال وقت لا يحسب بجداول الزمن، صارت الكوفة مركز القيادة لحركة الفتوحات، وأصبحت مصائر دول عريقة وشعوب آسيويةٍ تمتد من جنوب العراق ومن بحر قزوين حتى مشارف الصين، مرهونةً بالقرار الذي سيصدر من الكوفة.

والعربي في العراق لابدَّ أن يكون خارجاً إلى مدينته الحالية من الكوفة، ولو كان جنوبياً، إذا لم تتحرك الجيوش العربية صاعدةً من البصرة، بل نازلةً من الكوفة إلى مدن الفرات الجنوبية، أو عابرةً إلى دجلة ومنها إلى بحر القزوين، بعد أن تكون قد التفتت إلى الشمال لتتربع الموصل على جذرها العربي القادم من الكوفة.

و بفضلِ عمر مؤسس البصرة وممُصر الكوفة، تعرفت العرب على مدارس النحو واللغة وعلوم الكلام والفلسفة.

إن دور عمر في العراق مثل دوره في مصر، والعراق العمري صنو مصر العمرية التي أضافت إلى حضارتها حضارةً جديدة ومدناً جديدة.

الفرق أن المصريين كانوا مع عمر أنقى ومع تاريخه أوفى.

افتخر المصريون ببطلهم الجديد،فأنصفوه وحملوه أسلوباً للإدارة، وأنموذجاً للزهد والتسامي، وروحاً للعدالة الإلهية. فيما كبا أهل العراق كبوتهم، فلم يكتب فيه مثقف ينتسب إلى ثقافة التسنن. أو آخر منسوب على التشييع سوى علي الوردي وآخرين خارج المحيط الديني.

إن مؤسس العراق العربي أهملهُ العروبيون، فلم يصدر كتاب مستقل فيه عن مؤرخين "فطاحل"، وأُدباء "فُحول"، أمثال الشيخ محمد بهجت الأثري والدكتور عبد العزيز الدُوري، وأستاذ التاريخ العربي ناجي معروف، كما لم تصدر المؤسسة الدينية ومركزها الأعظمية أو الموصل كتاباً يُعرِّف العراقيين بمؤسس حضارتهم الإسلامية وممّصر بصرتهم وكوفتهم.

بيد أن المصريين أخلصوا الودّ لمؤسس حضارتهم العربية. فكتب العقاد عبقرياته منشورةً في غرف الدرس وعلى أرصفة المدن العربية. وكتب طه حسين "الشيخان" و"الفتنة الكبرى" بجزئيها مُنصفاً مستلهماً روح الإسلام ومنهج البحث العلمي الحديث.

وكتبت بنت الشاطىء والمستشار عبد الحليم الجندي وأبو زُهرة وعبد الرحمن الشرقاوي في الإمام علي وفي تلك الفترة الإسلامية المثيرة، فتشكلت المدرسة المصرية مرجعاً سنوليه الاهتمام في صفحات قادمة.

أمّا العراق فَخُلوٌ من هذا المنهج، وتلك المدرسة، رغم كونه ميدان الصراع الطائفي القديم والحاضر، وإذ يعزو المُطلعون على أسبابه إلى جهل الناس بتاريخهم الإسلامي، فَلم يسأل أحدٌ إلى من تُعزى أسباب هذا الجهل.

إنهم يكتبون من فوق، ناشرين طُعونهم على العامة، وكأنهم يتوقعون أن يولد العراقي وهو يرضع العلم، ويحتسي أكواب الثقافة من مشارب لا يمتلكها أساساً.

إن المجتمع بمؤسساته الدينية والدولة بمؤسساتها الثقافية هي التي تتحمل المسؤولية عن جهل الناس بتاريخهم، ولم تلتفت الحوزات العلمية الشيعية والمدارس الدينية السُنية إلى التعريف بثروة من التراث الإسلامي المقيم في معماريات الأئمة والشيوخ والأولياء، فيراها الناس شاخصة، ولا يعرفون شيئاً عن أسرار المقيمين في ثراها سوى ما يقدمه السدنة من أوراد وإذكار..!.

إن وزارات الثقافة العراقية كان يمكن لها أن تنهض بمهمة تُجنّب العراقيين شيئاً من هذا الصراع، لو عُنيت بإصدار سلسلة كتب للتعريف بمن تنتسب إليهم تلك المعماريات، لكن وزارة الثقافة أصدرت مرةً كتاباً عن ألعاب الصبيان في سامراء متجاهلةً معمارية سامراء العباسية، تلف أحزانها ملتويةً إلى السماء، وتهمل شاخصة الإسلام العَلوي في معمارية الإمامين علي الهادي والحسن العسكري، التي تعرف عليها الناس مقطوعة الأسماء وممزقة الأحشاء!.

ومن المفارقات أن حكومات العراق ذات الطابع السُني، في قرارها، وفي أغلبيتها خلال الثمانين عاماً الماضية، لم تلتفت إلى هذا الجانب فتنشر كتاباً مستقلاً بأبي حنيفة المقيم في الأعظمية، وبمعماريته الفقهية، ولا توقفت يوماً في باب الشيخ ودخلت مسجد الشيخ الحسني عبد القادر الكيلاني، فلم يُعرف عنه سوى أنه (أبو قبقاب).

إن علماء السنة وشيوخها ومثقفيها لم يُنصفوا إمامهم الأعظم، ولم ينشروا علم العلماء المدفون في مساجد الشيخ معروف الكرخي والشيخ جنيد والشيخ السهروردي وآخرين.

ومثلهم في التقصير والإغفال كان فقهاء التشيع، وحوزاتهم العلمية التي لم تنشر بعد ألف عام على تأسيسها كتاباً عن الإمام علي بن أبي طالب يطلع عليه جيل عن جيل، ولا كتاباً مستقلاً عن الإمام الحُسين، لكن بعض أتباعهم من الدرجات الوسطى ربما اهتموا اهتماماً خاصاً بفاجعة كربلاء فكتبوا عن الفاجعة دون الكتابة عن الحسين.

وباستثناء كتابات في التاريخ العام للعتبات المقدسة، ومدن التشييع العراقي وكتب الرجال، وقد صدرت من خارج الحوزات العلمية، فلم يتوفر لشيعة العراق كتاب يُعرفهم بأئمتهم على الطريقة، التي كتب فيها العقاد وطه حسين والشرقاوي وأبو زهرة.

ومن الغريب أن الذين أعتنوا بهذا الجانب من التاريخ الإسلامي، هم من خارج الإطار الديني، ومن المحسوبين على العلمانية، وربما اتهموا بالزندقة والإلحاد، كالدكتور علي الوردي وهادي العلوي وفيصل السامر.

أما التاريخ العام فقد حظي باهتمام فريق من علماء التاريخ كالدكتور عبد العزيز الدوري والدكتور مصطفى جواد والدكتور جواد علي والأستاذ ناجي معروف، ممن ابتعدوا عن تاريخ سير الأئمة والفقهاء الذين تدور حولهم اهتماماتنا.

الكوفة جمجمة العرب

ولأنها مركز القوة العربية الأول وفاتحة فارس فقد أحبَّها عُمَر وفضّلها على المدن التي أقامها، كالبصرة في العراق، والفسطاس في مصر، ولم يُعرف لِعُمر عشقُ الشام بما نعرفه عنه من عشق الكوفة، فأطلق عليها أجمل اسمين تحمِلهما مدينة: رأس الإسلام مرةً وجمجمة العرب مرةً أخرى.

فهي العروبة والإسلام وليست الشقاق والنفاق كما تزعمون.

أما البصرة فكانت في مركز هامشي لم يتوجه إليها سوى قبائل غير متمرسة في القتال كما يقول هشام جعيط في كتاب الفتنة وكان مركزها هامشياً ولَعلها قامت في بعض الأحيان بدور مساعد للكوفة.

وإن كان ذلك لا يعني أنّه فضّل أهلها على أهل البصرة، وإنما كان الاهتمام بسبب دورها أمّا العطاءُ فكان واحداً لأهل البصرة وأهل الكوفة ولعطاء غيرهم من المقاتلين.

ومع ذلك فقد نَفِسَ أهل البصرة كما يقول محمد حسين هيكل في كتابه الفاروق على أهل الكوفة موقع بلَدِهم وما تدر عليهم من الخير.

وكان وفدٌ من البصرة قدم إلى المدينة وشكا من سوء أحوالهم المناخية فقال الأحنف بن قيس لِعُمر:

يا أمير المؤمنين إن مفتاح الخير بيد الله وإن إخواننا من أهل الأنصار نزلوا منازل الأمم الخالية بين المياه العذبة والجنان الملتفة وإنا نزلنا سبخةً ملتفة لا يجف نداها ولا ينبُت مَرْعَاها فليس لنا زرعٌ ولا قرع، ويخرج الرجل الضعيف يستعذبُ الماء في فرسخين وتخرج المرأة لذلك فَتُربقُ ولَدْهَا كما يُربقُ العنز "أي يربط بالحبل" يخاف بادرة العدو، وأكلِ السبع، فان لا ترفع خسيستنا وتجبر فاقتنا نكن كقومٍ هلكوا.

اتخذ عمر ساعتها قرارين، أن يزيد عطاءَهم وأمر عامله على الكوفة أبا موسى الأشعري ليجري لهم نهراً على بُعد ثلاثة فراسِخ إلى شمال البصرة حيثُ الماءُ هناك أعذب لم يتلوث بمياه البحر بَعْد.

وكانت قبائل البصرة تتنافس مع قبائل الكوفة، ونافست المدينتان على أمجادها ودخلت القبائل في هذا التنافس فدَخَلَ معها شعرُ التفاخر، وهو أول تفاخرٍ للمكان بعد الفخر بالقبيلة.

فهل كانت تلك بداية لاختلاف أهل البصرة وأهل الكوفة في علم النحو، فيكون لكل منهم مدرسة خاصة وأن يختلفا في الذائقة البلاغية، فيكون لمدرسة الكوفة ذوق أقرب إلى طبيعة البداوة ونقاء الصحراء وسهولة المقاصد والأفكار، فيما جنحت البصرة نحو التعقيد مُستعينةً بعلم المنطق والرياضيات في كتابة النحو والبلاغة؟.

ولم يكن ذلك كافياً لسترِ الكوفة وحمايتها عن الطعون على مرِّ القرون العربيّة.

وأهل الكوفة ما يزالون يوصمون بالتمرد والاحتجاج ومناكدة الولاة وإثارة القلاقِل وأضيفت إليهم طعون بعد مقتلِ الإمام الحسين في معركة الطف وخذلانه بعد تأييدهم، فَضُرِبَ المثل في الكوفة حتى سُميت حمص بالكوفة الصغرى لكثرة احتجاجها على الولاة.

وفي ظننا أن ما يجمع الكوفة وحمص ظرفٌ واحد: كونهما على أطراف البادية وارتياح القبائل العربية للسكن فيهما وخضوعهما لذات المؤثرات.

الكوفة ناشئة ولم تكن سوى أرضٍ معروفة برملتها الحمراء غير المأهولة، فأخذت اسمها من رملتها التي تسمى عند العرب بالكوفة لحمرتها. وإنما كان ظاهرها عامراً ويُدعى بالحيرة مملكة المناذرة الشهيرة،ِ والمعروفة بالعصر الجاهلي باسم الغَري قبل أن تأخذ لقبها الحالي وتسمى بالنجف، والنجف هي ما ارتفع من المكان ولهذا يُسمي المصريون ثريات الضوء بالنجفة لأنها مرتفعة ومتألقة.

وكانت الحيرة معروفةً بدياراتها المسيحية المدهونة بالطلاء الأبيض فكأنها تبدو من بعيد نجوماً متألقة، فكيف وصل المصريون إلى هذه النتيجة ولم يصل إليها العراقيون؟.

هذا شيء عن كوفة الفرات، فعن أي كوفةٍ تتحدثون؟.

كوفة الإسلام في عنفوانه العُمري وصراعه مع الخارج الأجنبي الناكر للإسلام، أم كوفة الإسلام في مثاله العَلوي تصارع المنشق عن الخلافة لتستعيد وحدة الدولة العربية المسلمة كما رسمها عمر بن الخطاب؟.

سنحتكم في الجواب إلى الكوفة ذاتها، وإلى مناهجها الأولى، فهي في عهدها الأول بنت لعمر ولفقهه وتاريخه، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت هو فقيه الكوفة وعند هذا الرجل يلتقي العُمران والعَليان في الدرس الفقهي الواحد، وليس على حلبةِ الملاكمة كما يشطح الجاهلون والسُذَّجِ والمُخدرون بالمال الأموي والترياق الصفوي.

الكوفة جمجمة عمر ورأس علي، توأم الخط المحمدي، الذي سارت عليه قاطرة العرب. لكن فيها من جانبٍ آخر صراعاً شفيفاً ليس بين عمر وعلي، بل صراع مدارس وثقافة وتربية ورأي يُمسك مالك بن أنَسْ بفقه المدينة المحافظ ويمسك أبو حنيفة بفقه الكوفة المنفتح أو الراديكالي كما يُسمى في أيامنا.

ونترك المستشار عبد الحليم الجندي في كتابه عن أبي حنيفة الصادر عن دار المعارف في القاهرة يَسوحُ بين المدينتين سياحة العالم العارف بدقائِقها.

كان للمدينة من السلطان الروحي ما عبر عنه مالك لليث بن سعد بقوله: "إن الناس تبع لأهل المدينة التي إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن".

وكانت حضارتها بسيطة غير معقدة ولا مشوبة بتخليط، المشاكل فيها قلائل، والوقائع تتشابه وتتشاكل. فإذا عرضت مسألة، فإن أشباهاً في السوابق حِكماً في النصوص: يسيطر على أهلها اعتقادهم أنهم لن يصنعوا خيراً مما صنع آباؤهم، لأنهم تابعون وآباؤهم متبوعون، ومن عقيدة التابع أنه ليس كالمتبوع، وأنه لن يكون جيل التابعين ولا أي جيل بعده أو قبله كجيل الصحابة رضوان الله عليهم.

أما الكوفة ففي ذلك الإقليم من أقصى الجزيرة حيث لم تكنُ مادة الفقه والأحاديث والسنن هي الهواء الذي يتنفس الناس فيه في كل مكان كالمدينة، فإذا أقبل بنوها على العلم أقبلوا من تسامح المحيط الواسع الذي ينادي بالاجتهاد بالرأي، حيث الناس من كل الأجناس، يقبلون على الدين الجديد تؤنسهم مدينة كبيرة وتكتنفهم معاملات وتجارات ونوازع شتى وفنون حضارة تحتاج في كل وقت إلى الرأي الجديد، لا تغنى عنه النصوص القليلة المتداولة. جاءوا يدلون بدلوهم في الدلاء، يتحرون ويتقرون لم تكد تهدأ رحلتهم بعد، ولم تكن لتهدأ إلا بعد أن تستنفدها شتى ضروب النشاط المادي والفكري أو يعتورها الكلال والهرم.

لقد تلازم الاجتهاد والجهاد في تاريخ الإسلام، وتحالف الركود الفكري والركود العسكري من ألف عام:

قامت مدرسة الكوفة تقول بالخلق والابتكار، واستعصم أبو حنيفة فيها مستمسكاً بالرأي وبالتشدد في قبول الأحاديث ورواتها وعارض فقهاء المدينة وأشياعهم.

ثم تطاول الخلاف الفقهي فتحول إلى خصام، وأعلنت حرب المذاهب بين كلمات قارصة كقول القائل: " وضع أبو حنيفة أشياء في العلم، مضغ الماء أحسن منها." ومستشنعات من الألفاظ سنرى أمثالاً منها بعد: وغدا فقه العراق هِمَّ الحجاز المقيم المعقد..."

لكن سياسة عثمان أولَت البصرة اهتماماً جعلَها المركز الأساسي لإرسال الجيوش التي زحفت إلى كرمان وسجستان وخراسان سنة 31 للهجرة وعُني عثمان بالبصرة وأهلها عناية عمر بالكوفة وأهلها.

إن الإمام علياً عندما فكّر في جعل الكوفة عاصمةً للخلافة فكأنه يستلمها من عُمر بعد معركة الجمل بين البصرة العثمانية والكوفة العمرية وكان الإمام علي يسعى لأن تستعيد الكوفة مجدها السابق.

وبتعبير المذاهب والفرق كانت الكوفة من شيعة عمر وعلي وعمار بن ياسر.

والبصرة من شيعة عثمان وعائشة والزُبير وطلحة بن عبيد الله، والفريقان هما، من أتباع محمد (ص).

إن المؤرخين يتداولون بظلم معلوماتٍ وأحكاماً عن أهل الكوفة كمثال للشخصية العربية المعروفة عندهم بالشقاق والنفاق وقطع الأعناق والأرزاق، فيما أخذت الكوفة قطعَ الأعناق والشقاق مرةً من قبائل الردة التي استوطنتها، ومرةً من انشقاق البصرة على خليفتها الشرعي، وبقيت الكوفة عربيةً خالصة ولم يكن للعراقيين الأصليين عليها شيءٌ من عناصر النفوذ والقوة وشعبها متسلح بتقاليده اللقاحية الصارمة وعقيدته الإسلامية النافذة. فتعرب بها من تعرّب من لم يكن عربياً ولم تتعرق الكوفة إلاّ في القرن الثاني للهجرة.

أي أن العراقيين لم يقتلوا الإمام الحسين،لأن أهل الكوفة لم يكونوا عراقيين آنذاك.

واستمرت مدينة أُحادية الجنس قبل أن تتحول في القرن الثاني إلى مدينة عالمية متعددة الثقافات والأعراق.

إن الكوفة في فجرها الأول هي على ما رأيتم.

والكوفة في فجرها الثاني هي مدينة الثقافة والعلوم والشعر واللغة مهمومة بهموم النُعمان بن ثابت ومدرسته وبنحو الكسائي ومدرسته.

أهل الكوفة ليسوا عراقيين !

مازلت مُتردداً في أي منهما سيكون نَسَباً تنتسبُ إليه الكوفة، وهل يَصِحُّ القول: إنها عراقية وأهلها عراقيون، وليس فيها من العراق إلاّ أرضها وموقعها على الخريطة.

أهل الكوفة هم أهلَ الأيام من المحاربين الأوائل في مأثرة الفتح وعناصر من المشاركين السابقين في حروبِ الردة، الذين تابوا وشاركوا في فتح بلاد فارس فاستوطنت الكوفة، ولم تكن من قبل مأهولة قبل صعود قبائل عربية من اليمن ومُضر ومذحج وكندة وتميم وأسد، فتشكل منها المركز العسكري العربي الكبير في العالم الساساني السابق ومركز القوة العربية، وكان أهل الكوفة هم الذين سيطروا أساساً على وسط إيران وشماله، من ميديا وقوقس وجرجان إلى طبرستان وأذربيجان.

ولأن مُجتمعها من تلك الأصول القبليّة العريقة المعروفة بثقافتها اللقاحية أي رفضها للسيطرة المركزية والخضوع لقوةٍ فوقها وتمردها على الآخر المُتسلط، فقد طُعِنَت الكوفة بالانشقاق والنفاقِ، كونها عراقية، ولم تكن بَعْد قد تأثرت بمناخ العراق.

نخلة العراق أم زيتون الشام:

بعد استطراد تاريخي وسياسي أشغلنا قليلاً عن فاكهة الشام وعلاقة العرب بالزيتونة، التي يلتقونها حديثاً، أقولُ:

إن العرب فضلت رُطبَةَ التمر على التينِ فهل تُفضِل عليها مرارة الزيتون؟.

ألا ترى أن العرب حتى الآن لا يستسيغون الزيتون مثلما يتلفتون في موائدهم بحثاً عن الرُطَبِ المفقود.

أقولُ: إن الشجرة العربية المفضلة هي النخلة بلا منازع وليست الزيتونة وسنحتكم إلى أحاديث نبويّة وشواهد من شعر العرب لتصبحَ النخلة منجماً لغوياًُ تخرج منه المصطلحات إلى يومنا هذا، فتستقل بما لم تستقل شجرةٌ أخرى باسمٍ خاص لأغصانها وهو السَعفُ، وجعلوا من سُعفتها أداة لإغاثة المستغيث وجبر المكسور فقالوا: أسعفْهُ، أي قدّم إليه السَعفة فأغاثه ونجّاه من الغرق أو طبّبه بها ومنها عرفنا الإسعاف الطبي. فهل رأيتم أثراً للزيتونة في لغة العرب؟.

كان عَصُر عمر امتحاناً لقبائل الجزيرة واليمن لاختيار شجرتهم ومدينتهم. فصدقوا للنخلة وانتسبوا للبصرة والكوفة، فكيف استطالت صراعات المذاهب فصارَ العراق لعلي والشام لِعُمر، فريقين متصارعين، وهُما جيش واحد ومدينة واحدة وسلوك محمدي لا ينشطر الواحد فيه شطرين إلاّ بمناشير القطيعة؟.



* - آية 41 سورة الأنفال

* - يجدوا: يأخذهم الوجد عليه.